الشعر العباسي بين الكلاسيكية والتجديد ج3 / للدكتور فالح الكيلاني /

( الشعر العباسي بين الكلاسيكية والتجديد ) القسم الثالث
الشعر والامور السياسة والاجتماعية
.
بقلم : د. فالح الكيـــــــــلاني
.
كان لسيطرة الاتراك على الدولة العباسية وادارتها زمن الخليفة المعتصم بالله وما بعده اثر بالغ في ضعف الدولة وسيرها في طريق الانحلال والتقهقر فقد عمل الرشيد على تقوية دولته – كما توقع - فتزوج من زوجة فارسية ليقرب الفرس منه ويأمن جانبهم لانهم سيكونون اخوال اولاده منها وهم كثير في دولته اذ يشكلون الجزء الشرقي منها ويتخذهم انصارا له . وتزوج من اخرى تركية الاصل ليقرب الاتراك منه وليشدوا على عضده في صيانة دولته وكانوا كذلك في زمنه فانجب من زوجته العربية ابنة عمه ( زبيدة) ابنه (الا مين) ومن زوجته الفارسية ابنه ( المأمون ) ومن زوجته التركيه ابنه ( المعتصم ) وكان هذا فيما بعد سببا من اسباب سقوط الخلافة العباسية وبينما كان سبب هذا الزواج كان يقصد به توطيد العلاقة بين العرب والفرس والترك كنتيجة للمصاهرة والقرابة الا ان ما اثمره هذا التصاهر كان وبالا على الحياة السياسية الى حد الاقتتال .
بعد وفاة الرشيد اقتتل( الامين )و(المامون) الاخوة بينهم على سدة الحكم واستعان كل منهم باخواله والمقربين منه فاستعان الما مون باخواله الفرس على اخيه الامين في قتاله والوصول الى الخلافة وقربهم اليه واعتمد عليهم في كل امور الدولة وانعكس ذلك حتى في الامور الدينية والمذهبية وتفرق الخلق واقتتل الناس بينهم فكان ما كان و كتب التاريخ خير شاهد على ذلك وما فيها من معارك واحداث .
وبعدها أي بعد مقتل ( الامين) وانتصار (المأمون ) بمساعة اخواله الفرس ووفاة (المامون). استخلف ( المعتصم) وامه تركية فقرب اليه الاتراك واعتمد عليهم في اغلب مفاصل الدولة العربية الاسلامية وعلى كل حال فقد دخل الى جسم الدولة او جسم الخلافة العربية من ليس منها وعمل على تقويضها . كان كل هذا قد بدء في العصر العباسي الاول واستمر وزاد في العصر العباسي الثاني.
وكان في اثناء وجود الاتراك في الحكم كان الفرس يتحينون الفرص لاعادة مجدهم الغابر او السالف فقاموا بقيادة ال بويه بحملة قوية اعلنوا سيطرتهم على بلاد خراسان واكتسحوا الخلافة العباسية في بغداد التي كان الاتراك مهيمنين على الحكم فيها وتنصب (معز الدولة ) الفارسي اميرا على بغداد في ظل الخلافة العباسية التي لم يبق منها الا اسمها ورسمها. اما الخلفاء العباسيون وبمرور الزمن تحولوا الى بيادق شطرنج يلعب بهم اللاعبون من ال بويه من الفرس ومن بعدهم من ال سلجوق من الترك.
نعم لقد انحدر ت قوة وعظمة الدولة العباسية ا و بدأت بالانحدار نحو الاسوء بعد الخلفاء الاشداء فيها مثل المنصور والرشيد ... و سيطر البويهيون على الحكم الاسلامي في بغداد سنة \334 هجرية بعد ضعف سيطرة الاتراك عليها وان اغلب هؤلاء الامراء كانوا ضعافا في ادارتهم للدولة فسارت الدولة نحو الانهيار والتقهقر والانحلال ويعتبر إقدام القادة الأتراك على قتل الخليفة المتوكل على الله في الخامس عشر من شهر شوال سنة \ 247 هـجرية بداية العصر العباسي الثاني وفيه استبد القادة الاتراك بالسلطة وأصبح الخليفة العباسي طوع إرادتهم وأسير هواهم وقد عبر عن ذلك احد الشعراء فقال:
خليفـــة فـــي قفــص
بيـن وصيـف وبغـا
يقــول مـــا قــالا لـه
كمــــا تقول الببغا
وأدى ذلك الى ظهور استقلال او انفصال بعض الامارات عن الخلافة العباسية في بغداد فبعد ان كانت خلافة اسلامية واحدة . اصبحت خلافة في بغداد وامارات مستقلة عنها في الاقاليم التابعة لها كالامارة الاخشيدية في مصر التي قامت على اثر انقراضها الدولة الفاطمية التي استقلت عن الخلافة العباسية في بغداد بل نازعتها الخلافة وامتدت اجنحة حكمها شرقا وغربا وكذاك ظهرت امارات عديدة كالامارة الحمدانية في حلب ثم توسعت فشملت الشام كلها تقريبا الا انها بقيت معترفة بالسلطان العباسي عليها اسما فقط .وكذلك مثلها
امارات قد نشات في الثغور الشرقية للبلاد الاسلامية وهكذا تفرقت الدولة الاسلامية الموحدة وظهرت خلافات وامارات في البلاد نازعت الخلافة الاصلية في كل امورها وخاصة الثقافية والادبية .
كان هؤلاء خلفاء وامراء هذه الاقاليم قد جمعوا حولهم الشعراء والادباء والعلماء ورجا ل الثقافة والعلم وتباروا فيما بينهم حول جمع كل منهم العدد الاكبر من هؤلاء وبذلوا الاموال لهم منافسة بينهم فاثر هذا في ازدهار كل العلوم وعلى راسها الادب العربي وخاصة الشعر حيث كثرت فنونه وارتفعت رايته وارتقت خيالاته وفنونه . الا ان اللغة العربية بدأت تظهر عليها علائم الضعف في نهاية العصر ويكتنفها الوهن خاصة في الثغور الشرقية من الدولة الاسلامية لعجمية سكانها فبدات تحل مكانها اللغات المحلية او اللغة الاصلية لاهل تلك البلاد مثل اللغة الفارسية التي حلت محل اللغة العربية بعد قرنين من الزمن ودفعت الحالة الثقافية والاجتماعية شعراءهم الى النظم في لغتهم الفارسية كما فعل الشاعران عمر الخيا م وسعدي الشيرازي .
وكذلك ظهرت في البلاد الاسلامية عصبيات اشتد النزاع بينها ومذاهب دينية تقاسمت البلاد ا لاسلامية بينها كما اطلقت الحكومات الاسلامية العنا ن لليهود والنصارى للعمل كيفما يشاؤون وكذلك اختلفت وجوه المعاش وكسب الرزق او الحالة الاجتماعية والاقتصادية في البلاد وانقسم الشعب بين غني مترف وفقير جائع .
فالقسم الاول وهو الامراء والقادة والتجار واصحاب الاموال والاعمال عاشوا بترف غير معقول في كل امورهم في الملبس والمسكن وهم طبقات الخلفاء والامراء والقادة والتجار والشعراء المقربين والاغنياء .
واما السواد الاعظم من الشعب وهم الفقراء في المجتمع فهم راسفون في قيود من فقر مدقع وعيش ذليل وكسب قليل لا يسد اودهم ولا يسمنهم من جوع وقد انعكست كل هذه الاحوال على الادب والشعر في البلاد فكان ادب الاغنياء يتمثل بوصف القصور الفخمة والرياض الزاهرة والغزل والغناء والخمرة واللهو والترف و القسم الاخر يمثل حالة الشعب او السواد الاعظم فيتسم بالشكوى والحنين والبكاء وذم الزمن وصروف الدهر.
اجتمع الشعراء حول الخلفاء والامراء واصحاب النفوذ والجاه فانتشرت الثقافة في هذا العصر امتداد ا لثقافة العصر العباسي الاول والتي آ تت اكلها في هذا العصر فنمت في ذاك و اثمرت او اينعت في هذا وكذلك كان لصناعة الورق اثر عظيم في انتشار الثقافة ككل ونشوء المكتبات العامة والخاصة والمدارس النظامية الحكومية بجانب المدارس الخاصة والتعليم الفردي للابناء الخلفاء و الوزراء ... لكل هذا اثر عظيم في تقدم الثقافة ووصولها الى اوج عظمتها في الدولة الاسلامية وتقدم الشعر واتساع افاقه واخيلته وتحسين معانيه فازدهر في هذا العصر اكثر من باقي العصور العربية وبلغ شأوته وظهر فحول من الشعراء كالمتنبي وابي العلاء المعري والحمداني وابن النبيه والشريف الرضي وغيرهم ..
لذا يمكننا ان نقول ان هذا العصر هو العصر الذهبي للشعر العربي
بما اوتي فيه من نتاج وتجديد ورقة في النظم والالفة في القول .
ولما استولى البويهيون على السلطة بعد الأتراك انتهجوا نهجهم فكان الأمير البويهي يولي الخلافة من يشاء من اولاد الخلفاء العباسيين ويخلعها ممن يشاء وكثرالخلع . و كثيرا ما يتم بالذل والهوان. حتى كان يوم خلع الخليفة يوم ابتهاج عند الجند وفيه يجري نهب دار الخلافة وفيه يطالب الجند الخليفة الجديد برسم ( بيعته). وكان يجري على الخليفة المخلوع نفقة قد لا تكفيه, فيضطر إلى العيش بالكفاف وربما استعطاف الناس الميسورين .
وكذلك الوزراء فلم يكن حال الوزراء بأفضل من حال الخلفاء فكان الوزير يأتمر بأمر المتغلبين فإذا غضبوا عليه عزلوه وصادروا أمواله وربما يقتلونه وكثيرا ما كان الوزير يُنصب ثم يُعزل, ويتكرر نصبه وعزله مرات عديدة وغالبا ما كان ينتهي عزله بمصادرة امواله ومن ثم قتله ومع ذلك فإن الكثيرين كانوا يطمعون في تولي الوزارة, ويبذلون المال في شتى المجالات في سبيل توزيرهم. كما هو الحال لدينا الان حيث أن الوزارة كانت موردا للثراء الفاحش عن طريق الرشاوى وقيل أن ( محمد بن عبيد الله بن خاقان ) وزير يالخليفة
( المعتضد بالله ) كان يأخذ الرشوة من كل طالب وظيفة وربما عين للوظيفة الواحدة عددا من الموظفين وقيل إنه عين في يوم واحد تسعة عشر ناظرا للكوفة وأخذ من كل واحد منهم رشوة معينة . الا ان بعض الوزراء كان حسن السياسة ذا دهاء وذكاء يستطيع أن ينال من الخليفة أو الأمير البويهي تفويضا بتصريف أمور الدولة وكان أهم هذه الامور ضمان الخراج وتعيين الولاة والعمال والقضاة والكتاب لذا يكون للوزير على من يوليه جبايات يجني منها ربحا وفيرا ويثري به ثراء فاحشا. و من أجل ذلك كانت الوزارة هدفا للدسائس والحسد . وكثر الطامعون في منصب الوزارة, فإذا أفلح الدس وغلب اهله على الوزير عزل هذا الوزير وصودرت أمواله وكان ما يصادر يعد بآلاف الآلاف من الدنانير لذا كان بعض الوزراء يطمرون خزينهم من الاموال والنقد تحت الارض الى أن تنتهي الازمة
و قيل في ذلك:
إذا أبصرت فـي خلع وزير
فقل أبشر بقاصمة الظهور
بأيام طـوال فــي بـلاء
وأيام قصار في سـرور
يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع
لاحظ كتابي ( الموجز في الشعرالعربي ) اربعة اجزاء صدر بمجلدين عن دار دجلة - عمان - الاردن
امير البيـــــــــــــــــــــــان العربي
د. فالـــح نصيـــــــف الكيــــلاني
العراق - ديالى - بلـــــــد روز
***********************************************************************

تعليقات