تتمة حياة وروح / للأستاذة ربا سليمان /
تتمة (حياة وروح)
بقلمي:ربا سليمان
(٢)
في العاشرة مساء،عاد من عمله إلى منزله،ليدس مفتاحه بالقفل كي يفتح ما أوصد من محراب،هاهو ذا يلج البيت منادياًوقد أنهكه الوهن:حبيبتي رند ،هاقد عدت للتو من عملي،أين أنت؟لتكفكف عن ريف عيونها صباباتها المعبقة بألم الفقدان،تزجر دمعات عالقة على حمي الفؤاد،لترتب نفسها وتخرج بابتسامة مفتعلة،تغلف ما يشوبها من حسرة،
أهلاً بك حبيبي،تفوهت بكلماتها تلك، وهي ترتمي عليه مرخية بذراعيها على خاصرته، تدس رأسها بكتفه ،تتغلغل بعبقه،وهي تنشقه وكأنها المرة الأولى،لتنبس له بكلماتها العذبة الرقيقة:أتوق لوصلك حبيبي.
مهند وهو يعانقها بحب دافئ :أكاد أنسى ماطالني من تعب خلال يومي المترع بالشقاء،وأنا أغمرك لصدري،ليناظر عينيها بوله عاشق.
يتوجس بنفسه وقد رأى عينيها قد خفت بهما البريق،ليقول لها:أخالك قد فقدت سنى النور الذي يشع من عينيك،ماذا دهاك غاليتي؟.
رند:أنا على خير مايرام،لا ياحبيبي،كل مافي الأمر أني شاهدت برنامجاً كان قد أجج مشاعري.
رند وهي تنتزع نفسها من بين ذراعيه قائلة:سأشرع بتحضير الطعام ريثما تبدل ملابسك ،لتوافدني إلى طاولة العشاء.
مهند بإعجاب طائل:فلتزرعي الطاولة بالشموع ،وتهيأي لحضوري مولاتي.
رند بحياء طفى على وجهها:لك ما تروم حبيبي.
يرتدي مهند رداء المنزل،ورند تضفي بعض اللمسات الساحرة على وجهها بوضع القليل من حمرة الشفاه،وميل من الكحلة داخل جفون عينيها،زادهما سحراً وبريقاً،ناثرة عطرها المفضل لديه،ليتشبع المكان بشذاه،تنهال فيما بعد بترتيب كل ما يلزم لحفلة عشاء اليوم.
مهند وقد قدم للتو طابعاً على وجنتي حبيبته قبلتي الهوى،داعياً إياها للجلوس على شاطئ يوازي شاطئ ولهه ،وطيلة العشاء وهما يتبادلان الغزل ونظرات الإعجاب،وبين حين وآخر يطعم كل منهما الآخر وسط جو مليء بالود والوئام،ليرمقها ،ويغدو إلى جانبها جاذباً إياها بدفق من حنان،قائلاً:سلمت يداك على ما طهت وأعدت من ألذ طعام.
رند وهي تمسح عن فاهه ماعلق من طعام:صحة وعافية،وقبل أن تستهل حديثها،دفعها برفق أمامه ليغسلا الأيادي ويتراشقان ببعض قطرات من الماء بجو مليء بالفرح والعفوية والطفولة،بثها لواعجه،لتبثه خلجاتها،وحين الانتهاء ولجا إلى مخدعهما لتروى بينهما حكاية ليلة بألف ليلة.
وعندما انبلج الصباح نهضت رند بحيوية لتجهيز مايلزم لزوجها قبيل خروجه للعمل،وحين الانتهاء عزمت على إيقاظه،ليفاجئها وقد اختبأ خلف الباب،ليبعث بنفسها الذعر،تنتفض خائفة ليزملها بذراعيه،يدثرها بأمانه،يزنرها بحبه،إلى أن تشبعت حبر الغرام،لتعاتبه على صنيعه ذاك،فيبرر أنه أراد أن يمازحها.
تهم رند بالخروج من المطبخ ،ليعترض سبيلها قائلاً:اليوم قد منحت نفسي إجازة من العمل.
رند وهي تمثل تناسيها أمر الطبيب،قائلة:ولما الإجازة ياعزيزي.
مهند بعزم وإرادة:سنحاول مجدداً.
رند بيأس:لكن ما من أمل،أما شهدت ما وقع عليه الأطباء من تشخيص لحالتي تلك؟
مهند وهو يغمر كفيها بين كفيه:يكفينا شرف المحاولات،لا تدعي الضعف يتسلل لجوفك،لاتسمحي للشؤم أن يغتال ذلك الشفق الذي تبدى بأفق حناياك.
رند:طالت أمد تلك التجارب والاختبارات،ومامن نتيجة ناجعة كي أحمل بجوفي ابننا المستقبلي.
مهند وهو يمسد شعرها براحة يده،وبيده الأخرى يمسح عن وجهها غبار التسليم،قائلاً:خلقت من جوف الحياة حواء،أنت الخصب والرجاء،أنت العطاء،وأنا وأنت على الدرب سواء،محاولاً نزع أشواك الانكسار من صميمها،متذرعاًبها،متوسلاً لها،أن تمضي وإياه لمحاولة أخرى.
رند بقبول:نعم سنحاول.
مهند متأهباً للخروج ،ليرفع يداه للسماء داعياً ربه بأن يهبه بذرة حياة، لتتأبط ساعده قائلةبإيمان تام:آمين يارب العالمين.
يخرج مهند وهو يشابك أصابع فؤاده مع أنامل نبضها الوارف بالحب ،يستقلان سيارة الأجرة،ليمضيا نحو طبيبهما،وكلهما تفاؤل وأمل.
عبرا الطرق وهي شريدة الذهن،ليغتصب من عينهاضحكة ،ومن فاهها بسمة،حين لاح لها بإصبعه للأعلى،قائلاً:سلمي أمرك للرحمن.
وعلى حين غرة، انفجر من بين فكيها، ينبوع من كلمات تبدد كل ما فات من ألم،لتضحك وهي تقول:يامن تملكت حشاشة فؤادي ،سأهبك الروح والحياة،ليشد من أزرها ،ولينبس بكلمات مؤمنة، بنصيبهما وقدرهما من الحياة.
هاهما الآن يجلسان بقاعة الانتظار،ريثما يحين موعدهما،ليربت على هلع أركانها بسلامياته ،ناشراً بثناياها الهدوء،بعد صخب وضجيج أحاسيسها المضطربة،وبعد صراخ حاجتها المحمومة،لتختلج مرتعشة قائلة:ماذا لو حرمتك من أن تصبح أباً طيلة الحياة؟ ماذا لو اجتاحتك تيارات الأبوة؟ماذا لو هزت عرش رجولتك؟
ليجيبها بحب:الله كفيل بنا.
لتقاطعه مستجدية منه، ألا يدعها وشأنها مهما آلت إليه عجلات الأمور،يعدها بذلك وهو يلقي على مسمعها بضع كلمات تنتهي ب:مجنونة.
المريضة رند فلتتفضل بالدخول،نادت السكرتيرة عليها،وهي على مشارف الدمار،لتلملم شتات أمرها ،ماضية جنباً إلى جنب زوجها.
ولجوا غرفة المعاينة ليرحب بهم الطبيب من جديد،وبعد شد وجذب،وبين هزل تبعه جد،أعلن الطبيب عجزه عن مساعدتهما،وقد اتبعا كافة السبل العلاجيةدون جدوى،ليصارحهما بعدم إمكانية رند من الإنجاب إلا بمعجزة ربانية.
تغوص رند بدهليز سادف،كاظمة أناتها برحم حجب عنها الروح والحياة،لتهطل فيما بعد كسحابة سحيمةسجمت بأمطارها،نحيب وعويل بينها وبينها،لتشعر وكأن روحها قد استلت من جسدها لتتصاعد للسماء،وفي هوة عميقة من اشمئزازها من نفسها،بدأت تغرز أظافرها ببطنها،وقد انهالت عليه ضرباً بعنف وغضب،قائلة:أنا القحل ،أنا اليباب،أنا الجفاف،ليحتضنها زوجها وهو بحالة يرثى لها،قائلاً بإيمان مطلق:إنها مشيئة الله يا غاليتي،الحمد والشكر لله على ما وهبنا وماحرمنا إياه،ليخرجان عائدين وهما يجران ذيول الخيبة خلفهما،وبعد بضعة أيام،وعندما استتب الأمن والسكينة،كانت الكارثة، فقد طلبت رند من زوجها أن يتزوج إكراماً لرغبته بأن يغدو أباً،ليقابلها برفض شديد،ها هي الأيام تمر وهي ما فتئت عن محاولاتها،التي تكللت بعد عدة سنوات بالإيجاب،عندما قطع أمله من رند بأن تنجب لتكمل دورة الحياة الخصيبة،لكن سدى .
لتدع رند زوجها يخوض التجارب العاطفية أمام ناظريها،وهي تتشظى دون حيلة،تتلظى،تتهاوى على مشارف العمر وحيدة،لكنها ليست بوحيدة.
جاء مهند ليعلم زوجته باختياره العاطفي للزواج،وماكان منها إلا أن رحبت بقراره ذاك،لتخرج وإياه للتعرف على زوجة المستقبل،وبعد التعارف أعلنت رند الموافقة عليها بأن تمسي آلهة الخصب والجمال لدى مهند.
رافقت رند مهند مع عائلته عندما ارتاد منزل العروس مها طالباً يدها للزواج،وخلال الجلسة رحبت رند بمها زوجة لزوجها،على مرأى ومسمع الجميع ،شريطة ألا يتخلى عن رند.
وبعد عدة أشهر تمت الخطبة،التي جمعت أفراد العائلتين فقط، دون صخب، ومراسم احتفال صارخة أو واضحة،احتراماً لمشاعر رند، توالت الأيام لحين أعلن فيه مهند موعد زفافه،الذي بات يوم وأدها وهي حية ترزق.
تزوج مهند من مها وظل محافظاً على أواصر الود والحب مع رند،لحين أعلنت فيه أنها تحمل بأحشاها طفلاً،لتنهال رند بالمحافظة على صحتها كما صحة ولدها،فتخمد لوعة ما حرمت منه،لتعيشه مع مها،تسارعت الأيام والأشهر،ورند منكبة على رعاية مها بعناية فائقة،ومهند قد راقه ما لمسه من تفاهم وانسجام الزوجتين،وفي يوم من الأيام وبينما كان مهند بعمله،أذن وقت قدوم الطفل المنشود،لتسعف رند ضرتها مها وتنقلها لأقرب مشفى،تحت وابل من سعادة طاغية على كل زاوية وركن،وبينما دخلت مها غرفة العمليات،انتظرت رند خارجاً وهي تلهج بالدعاء لها، ولطفلها بأن يأتي بصحة تامة،لتستدرك أنه يستوجب عليها أن تتصل بزوجها لتعلمه بما جرى،ليأتي وقد أدركه الخوف ولمس الحبور فؤاده،وبعد حين سمع صوت الطفل يضج بأرجاء المشفى ،هي صرخة حياة،ضخها الوليد الجديد بعروق والديه،ليفرح الأب بسماع صوت الطفل كما رند،فيبكيان فرحاً،إلى أن خرج الطبيب،فتحول بكائهما لنحيب،هاقد فارقت مها أوتاد كانت قد تشبثت بها بجذور الحياة،ليعلم الطبيب زوجها ،بدخول جزء من السائل الأمنيوسي المحيط بالجنين، إلى دم الأم، فشكل صمامة سدت الأوعية الدموية، والتي نسميها على حسب وصفه: (صمامة السائل الأمنيوسي)، لينتقل هذا السائل إلى رئتي الأم ، مما تسبب بحساسية ،كرد فعل للجسم، في حالات أضرار جسيمة للقلب والرئتين، مما أدى لحدوث اعتلال خثري،وهي حالة نادرة الحدوث،لكنها رافقت مريضتنا اليوم إلى مثواها.
وسط مشاعر متضاربة حمل مهند ابنه بين ذراعيه مرتجفاً ليؤذن بأذنيه،ومن ثم يقدمه لرند على طبق من حطام وشظايا انكسار،لتضمه بقوة لصدرها،متعهدة بتبنيه، وتربيته تربية صالحة، وتنشئته تنشئة سليمة،مواسية زوجها لفراق مها.
يجلجل صوت رند صادحاً هداراً راعداً بالمشفى:إنه ولدي ياعالم،وبحالة صراخ هيستيرية قالت:إنه ولدي يالله،حامدة إياه على ما وهبها، من جوف العدم لتخلق الروح والحياة.
يعود مهند ورند وطفلهما محمد إلى البيت لإعلان ولادة حياة جديدة سعيدة.
تعليقات
إرسال تعليق