أدب التوقيعات / للأستاذ ظهير الشعراني /
الركن الأدبي ..
أدب التوقيعات :
يُقسم البيانيون ضروب الكلام إلى ثلاثة :
المساواة : حين يكون المبنى مُفصّلاً على قدر المعنى .
والإطناب : حين يضفي المعنى على نفسه أردية فضفاضة .
والإيجاز: حين يختار المعنى الكبير الوعاء الصغير .
ولكل ضرْبٍ من هذه الضروب مواضعه من الحس , حيث يكون ملائماً , متلائماً , إلا أن يخرج الإيجاز عن الوضوح إلى الإبهام , فيصبح عيباً من عيوب الكلام , أو يخرج الإطناب إلى حشوٍ ولغو من القول .
ويبدو أنّ العرب كانوا أميل في أحاديثهم وخُطبهم ورسائلهم إلى الإيجاز , وأنصار هذا المذهب يقولون : " يكفيك من القلادة ماأحاط بالعُنُق "
ومن ذلك قولهم في الجاهلية : " القتلُ أنفى للقتل " يعللون ذلك جزاء القاتل بما جنت يداه , ليكون واعزاً لغيره , فبارك القرآن هذه الكلمة بكلمة أروع إذ قال : " ولكم في القصاص حياة " والمعنيان من نبعة واحدة , إذ ليس القتلُ هو القصد للقتل , وإنما هو السبيل إلى الحياة .
ومن ذلك ماخاطب به أحد خلفاء بني أمية قريباً له راح يترددُ في مبايعته : " أراك تُقدّم رجْلاً , وتؤخّر أخرى , فاعتمدْ على أيّهما شئت".
وتوارد على أدب الإيجاز لون من الأدب , أطلق عليه الأدباء : "أدب التوقيعات" وهم يريدون منه مايُعلقه الخليفة أو الحاكم على مايُقدّم له من الكتب في شكوى حال , أو طلب شيء , وقد يكون التعليق آية قرآنية أو حديثاً , أو مثلاً , أو بيتاًمن الشعر , أو كلمة مُبتدَعة .
ففي المثل اليوناني لانزال نذكر كلمة يوليوس قيصر بعد انتصاره في إحدى معاركه الحاسمة : "أتيتُ , فرأيتُ , فانتصرتُ " .
وفي تاريخ المسعودي " مروج الذهب " تأبين للإسكندر , وهو في نعشه قول أحد الحكماء : " أصبح آسرُ الأسرى أسيراً " .
وقول آخر : " قد كنتَ لنا واعظاً في حياتك , فما وعظتنا موعظة أبلغ من وفاتك " .
وقول حكيم من حكماء الهند : " يامن كان غضبه الموت , هلا غضبت على الموت ؟" .
ويبدو أنّ التوقيعات تعكس صور أصحابها , من ذلك قول عمر بن عبد العزيز لعامل له : "ابنِها بالعدل , ونقِّ طرقها من الظلم "
وهذا أبو جعفر المنصور يوقع كتاباً أتاه من صاحب الهند يخبره بسرقة ونهب بيت المال : " لو عدلـْتَ لم يشغبوا , ولو وفّيْتَ لم ينهبوا "
وقد يزهو العامل , أحياناً , حتى على أخيه بنسب أو بظلم فقال المأمون مخاطباً رجلاً ظلم أخاه :" فلا أنسابَ بينهم يومئذ ولا هم يتساءلون "
وقد يُهمل الخليفة أو الحاكم في الإصغاء إلى شكوى الناس من عماله , لأنه يدرك أن ّ هذا العامل ــ مهما تنزّه في أحكامه ــ لايخلو من حاقد يدسّ عليه , أوحاسد , ولكن إذا تواترت الشكاوى , كوّن لنفسه رأياً بهذا الإجماع , وهذا ما فعله جعفر بن يحيى البرمكي في عاملٍ كثرت الشكاوى منه : "قد كثرَ شاكوك , وقلّ شاكروك , فإما اعتدلت , وإما اعتزلت " .
وأخيراً فإن أدب التوقيعات لم يخلص من زخرفة اللفظة , وتزويق العبارة , وحسن الإيقاع , ولكنه ــ على إيجاز ــ يحمل كثيراً من دقة الأداء , وإصابة الحقيقة .
طيّب الله أوقاتكم بالخير
ظهير الشعراني .
تعليقات
إرسال تعليق